عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
276
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
بجلالي وعظمتي لولا الحجة التي بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السماوات والأرض والجبال والبحار إن أمرت الأرض ابتلعته أو الجبال دمرته أو البحار أغرقته أو السماء حصبته أي رمته بالحصى ولكنه هان علي ووسعه حلمي فبلغه رسالتي وادعه إلى توحيدي وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة فلا يرعك ما ألبسته من لباس الدنيا فإن ناصيته بيدي لا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني قل له : أجب ربك فإنه واسع المغفرة وقد أمهلك أربعمائة عام في كلها أنت تبارزه بالمحاربة وهو يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض لم تسقم ولم تهرم ولو شاء لعجل لك العذاب ولكنه ذو أناة وحلم فجاهد بنفسك وأخيك فإني لو شئت لأتيته بجنود لا قبل له بها ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة ولا قليل مني تغلب الفئة الكثيرة بإذني ، فذهب موسى إليه وقرع بابه بالعصا فأخبر البواب الذي دونه إلى سبعين بوابا إلى فرعون فأذن له فقال له فرعون : أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً [ الشعراء : 18 ] فقال له موسى : ما ذكره اللّه في كتابه فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فوثب على عسكره ففروا فمات منهم خمسة وعشرون ألفا وقد تقدم تمامه في فضل الذكر . ( قال في الكشاف ) جاء جبريل عليه السلام بفتيا إلى فرعون مكتوب فيها ما يقول الأمير في عبد نشأ في نعمة مولاه فكفر بنعمته وجحد حقه فكتب فرعون في الجواب يقول أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء هذا العبد أن يغرق في البحر فلما غرق دفع له جبريل خطه بيده فعند ذلك قال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ يونس : 90 ] قاله خجلا وحياء لا إيمانا . وقيل : إنما لم ينفعه ذلك لأن الإيمان عند رؤية العذاب لا يفيد ، وقيل لأنه لم يقر بنبوة موسى عليه السلام ( فإن قيل ) كيف تكلم مع الغرق ؟ ( فالجواب ) أنه قال ذلك في نفسه وكلام النفس هو الكلام الحقيقي . قال الرازي : دلت الأخبار على أن قوله الآن وقد عصيت قيل من كلام جبريل وقيل من كلام اللّه تعالى لقوله تعالى : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [ يونس : 92 ] أي بدرعك وكان من ذهب فأخرجه اللّه تعالى من البحر حتى عرفه بنو إسرائيل ، وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام وقد تقدم أنه لما أدركه الغرق قال آمنت فأخذ جبريل الطين فجعله في فمه حتى لا يقول لا إله إلا اللّه فيرحمه اللّه . ( فإن قيل ) الرضا بالمعصية معصية فكيف رضي جبريل ببقائه على الكفر ؟ ( فالجواب ) أن وضع الطين في فمه هو من فعل اللّه لأنه خالق لأفعال عباده . ( فائدة ) : أكل العناب ينفع من السعال ووجع الكليتين والصدر والصداع والشقيقة ويقوي البدن رطبه ويابسه لكن اليابس يلين الطبيعة والرطب يحبسها وشراب العناب بارد رطب يصلح الدم ويلطفه وينفع الجدري وحرارة الكبد والسعال اليابس . ( وصفته ) أن ينقع العناب في ماء ثم يمرس ثم يصفى ويضاف إليه كفايته من السكر ثم يغلى على النار . والعليق شجر معروف إذا عصرت أغصانه الطرية بورقه ودهن به العين قلع منها الأوجاع الحارة ، وإذا دق ورقه ووضع على قروح الرأس والبواسير نفعها ، وإذا طبخ أغصانه الغضة بورقه وشربه ذو الإسهال قطعه .